مأساة بائع العرانيس السوري 

Abdalbasset.jpg

كتب عبد الباسط فهد

كمية الحطب الملقاة الى جانب الحاوية على رأس الشارع تكفي لانجاز ثلاثة قدور من العرانيس (الدُرَة) هكذا حسبها سعيد السوري كما كان يناديه الجوار .
جمع كل قطع العفش وقام بتكسسيرها وجهزَّ موقد الحطب في قطعة الأرض الكبيرة والمهجورة عند البناء المتهدم جراء حرب السنوات العجاف نهاية السبعينات , بعد ثلاث ساعات تلمَّس عرنوسا فوجدها نضجت وأصبحت جاهزة للبيع .
نقل القدر الى العربة في الشارع أمام مدخل البناء تأكدّ أنها استقرت بشكل جيد .
العربة التي صنعها بيديه من بقية ألواح الخشب التي أخذها من جارتهم أم جورج في الأشرفية حين طلبت منه أخذ المقعد القديم في غرفة العفش تحت الدرج لينام عليها .
حينها خطرت له فكرة العربة على رولمانات عتيقة بالية كان قد تدّبرها من عند سليم معلم الميكانيك على الطريق الطويل الى برج حمود .
قام بتغليف بضعة عرانيس وذهب الى بيت الخالة أم جورج ليقدمها لها وهي التي لاتكاد تنساه يوم من سكبة أو قطعة حلو أو ابريق ماء .
لم يجدها فأعطاهم للعاملة الأسيوية لتسلمهم للسيدة أم جورج .
انطلق بعربته البطيئة كسلحفاة الى زاوية الحديقة ليبيع بضاعته التي تعود عليه بما يرد عنه غائلة الموت جوعا .
في الصباح سكبت الجارة بعضا مما لديها وأرسلته مع الفتاة الأسيوية التي عادت لتخبرها أنه لاأحد يرد في بيت الحمصي .
توجهت أم جورج الى مكان اقامته في الغرفة التي أعاره اياها العم أبو سارة في قبو البناء حين وصل لاجئا قبل أكثر من عام لكنهها لم تجده فيها وليس هناك مايوحي أن الرجل بات ليلته فيها .
الجوار لم يعثروا عليه أيضا ولم يروه لكن أحدهم قال:انه سمع عن حادث سير أصابت فيه سيارة مسرعة بائع العرانيس وقدره وعرانيسه وأن المصاب نُقل الى المشفى .
سارعت أم جورج الى قسم الحوادث وحين سألت عنه أخرج الموظف هناك ظرفاً فيه صورة لعائلة خمسة أشخاص وهوية شخصية وبطاقة لاجيء ودراهم معدودة وحذاء عتيق ولأن القتيل بلا أهل ولا من يسأل عنه فقد تمّ تسليم الأشياء لأم جورج التي تكفلت بجنازة الرجل واتخاذ مايلزم بانتظار من يسأل عن بائع العرانيس .
ذات يوم جاءت سيارة رعاية اللاجئين تسأل عن سعيد السوري وحين قابلتهم أم جورج أخبروها أنهم يريدون ارجاع بطاقة اللاجيء من سعيد السوري لأنه لايستحق المساعدة فقد وصلتهم أخبار أنه يمارس مهنة التجارة وهو لم يراجعهم منذ زمن .
دخلت أم جورج الى بيتها أخرجت شيئاً بيدها ثم عادت خطوة الى الخلف ورمت مابيدها
على سيارة الأمم المتحدة التي فرّ سائقها هاربا بعد أن سقط الحذاء القديم على الشعار الدولي وأتبعته أم جورج بعبارة انقلعوا يابلا شرف انقلعوا يا اللي مابتستحوا ويقال أنها تفت من فمها على مؤخرة السيارة وهي تردد على أصوات تشفيط العجلات للسيارة المرعوبة انقلعوا يا بلا ضمير يابلا مربى يابلا شرف .

اترك رد