36 عاما .. وما زالت المجزرة حيّة

WhatsApp-Image-2018-02-01-at-16.03.55.jpeg

ما تعيشه سوريا اليوم من قتل وتدمير هو نتاج لتاريخ طويل من القمع والتنكيل والتهميش والاستفراد والإقصاء والتحكم بمقدرات البلاد بشكل مستبد  مارسه نظام البعث منذ أكثر من 40 عاما عندما قام حافظ الأسد وزير الدفاع آنذاك بانقلابه عام 1970 ، ليتولى مقاليد الحكم ، فبدأ الفساد ينخر بنية الدولة ، ثم الأسد الأب باستغلال منصبه ليقرّب طائفته من سدة الحكم ، فبدأ السيطرة على الجيش وفرض الدولة الأمنية القمعية ، ما أدى  إلى تزايد السخط في البلاد بين كافة فئات المجتمع وشرائحه الاجتماعية والدينية والطائفية من مكونات المجتمع السوري ، شكل هذا الإحباط التربة الخصبة للرفض الشعبي للحكم الجديد وبقيت هذه الأوضاع تتنامى حتى انفجرت عام 1982 في مدينة حماة وذلك في أعقاب قيام حافظ الأسد وأجهزته الأمنية بمجازر عدة في كل من حلب ودير الزور وإدلب لتكون فيما بعد مجزرة حماة الأشد هولا في تاريخ السوريين .

ابتدع نظام الأسد عبر دولته الأمنية تلك طريقة فريدة للإرهاب والاعتداء على المواطنين ، و انتهاك حرمة مساكنهم واختطاف نسائهم واعراضهم والسطو على أموالهم وممتلكاتهم وقتل الأزواج وتشريد العائلات وتهجيرها ـ ولعل وريثه أعاد الكرّة  مع بداية الثورة في مجزرتي البيضا و الحولة .

أقدم نظام حافظ الأسد على هذه الجرائم تحت اسم (تمشيط المدن والقرى) ، إذ تقوم الحوامات والدبابات والقوى الاجرامية بتطويق المدن والقرى التي يراد تمشيطها ، ثم يفرض حظرا للتجوال ،وتقسم المدينة إلى قطاعات يتولى كل قطاع مجموعة كبيرة من الجنود والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع وعناصر المخابرات والكتائب الطائفية ، ثم يستبيحون كل شيء خلال عمليتهم تلك ، يسرقون وينهبون ويدمرون ويعتدون على أعراض الناس وحرماتهم ومقدساتهم ويقتلون كل من يرفع صوته محتجا على هذه الانتهاكات ، بل إنهم أفنوا أسرا كاملة ، وقطّعوا أيدي النساء وأصابعهن لسرقة حليّهنّ الذهبية .

حيث تعرضت مدن وقرى القطر للتمشيط ، فمشطت حلب مرتين ومشطت حماة تسع مرات

دامت المجزرة 27 يوما ، بدأها في الثني من شباط من عام 1982 ، نفذ نظام الأسد الأب خلالها مايمكن تسميته بالوأد الجماعي ، فقام بحشد وحدات مدربة من الجيش وسرايا الدفاع بقيادةشقيقه رفعت الأسد ، حيث تم تطويق المدينة من كل الاتجاهات وبدأ تنفيذ الجريمة بقصف المدينة فوق رؤوس ساكنيها ، وهدم أحيائها وجمع الناس في الساحات العامة والمساجد وإعدامهم جماعيا ودفنهم في مقابر جماعية ، رافق كل ذلك تعتيم اعلامي شديد في الداخل والخارج ليدفع قوى المعارضة إلى مايشبه اليأس ، ثم أخفى حقيقة حقده الطائفي عن عن بقية المحافظات و الرأي العام العربي والعالمي ، إلى جانب اعتماد السلطة العسكرية على البطش المفرط والعشوائي ليكون الأداة الفعالة في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية والنفسية ضد المواطنين في آن واحد  وقدر عدد ضحايا تلك المجزرة  بنحو 40 ألفا ، ومنع الصحفيون من دخول المدينة لأسابيع ، ليعد بعدها مظاهرة تأييد له لخداع الرأي العام .

تلا ذلك زج الكثير من المواطنين من أبناء المدن في سجونه العسكرية لعشرات السنين أو الأبد ،فقد سبق ذلك باعلانه حالة الطوارئ في البلاد ، والتي استمرت فيما بعد لأربعة عقود ، ثم سنّ القانون 49 ، والذي يقضي باعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين ، فوجد السوريون أنفسهم أمام  آلاف المفقودين ، ولم يأبه نظم الأسد بوضع الاجراءات الكفيلة بالحد من آثار المجزرة وتداعياتها على سكان المدينة المنكوبة، بل عمد إلى مكافأة الضباط المشاركين في المجزرة بترقيتهم إلى مناصب رفيغة ورتب عالية ،فبدأ بتعيين شقيقه رفعت “جزار حماة” نائبا لرئيس الجمهورية وتعيين محمد حربا محافظ حماة آنذاك وزيرا للداخلية .
أراد أن يقول  أن يقول للسوريين من خلال جرائمه تلك ، كل من خرج عن طوعي مصيره كمصير الحمويين ، حتى استيقظ السوريون من غفلتهم وصرخوا محطمين مملكة الصمت التي أنشأها الأسد الأب خلال أربعة عقود من حكمه ، فكان 2011 ،  هب السوريون مطالبين بحريتهم وكرامتهم المسلوبة، فكان رد الأسد الإبن كرد أبيه ، وتتبع خطا والده ،فلم يدع سبيلا للقمع والتنكيل والتدمير إلا وسلكه ، ثم جاء بكل مرتزقة الأرض لتقاتل معه ، لكن هذا كله كان هذه المرة على مرأى ومسمع من العالم أجمع ، لكن اللافت أن السوريين لم يستكينوا هذه المرة كالسابق ، وقالوا أنّى للطغات أن يفلحوا في صنيعهم ، فثورتنا ماضية ومستمرة ، وإرادتنامصرة لتحقيق النصر وطرد المجرمين من بلادنا لامحيد لن تلين ،فلا تراجع عن اهدافنا ، ولن نتخلى عن إسقاط هذه العصابة المجرمة ومن يساندها ، ومهما طال زمن الموت والمجازر ،النصر حليف الشعوب لا الطغاة .

محمد غالب الأطرش

اترك رد