تحديث بيروت وتهذيب أدونيس

الأمريكي-روبن-كريسويل.jpg

صبحي حديدي- القدس العربي

الأمريكي روبن كريسويل ناقد أدبي ومترجم وأستاذ مساعد للأدب المقارن في جامعة ييل، وله اهتمامات واسعة بحداثة الشعر العربي عموماً، والشطر اللبناني (أو بالأحرى: البيروتي) منها على وجه الخصوص. نشر، أيضاً، مراجعات لروايات الياس خوري وربيع علم الدين وربيع جابر؛ وفي الترجمة، نقل إلى الإنكليزية عملَين لكلّ من عبد الفتاح كيليطو وصنع الله إبراهيم. ومؤخراً أصدر، عن جامعة برنستون ومنشورات أكسفورد، كتابه الأوّل «مدينة البدايات: الحداثة الشعرية في بيروت»؛ والذي وقع في 259 صفحة، وستة فصول تبدأ بمقدّمة وتنتهي بخاتمة خاصة عنوانها «طهران 1979 ــ دمشق 2011» تتناول مواقف أدونيس من الثورة الإسلامية في طهران بالمقارنة مع مواقفه إزاء الانتفاضة السورية.
والكتاب، كما يوضح المؤلف، «يقع على مفترق طرق بين نقد الشعروالتاريخ الفكري. فإلى جانب شعراء عرب كثر [خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي] انخرط الحداثيون البيروتيون، وإنْ على نحو جانبي، في سجالات زمنهم: العلاقة بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية، والتنافس بين النزعات القومية والعلمانية والماركسية». لكنّ مقاربة المؤلف المركزية تختلف، في الواقع، عن هذه الصيغة المَزْجية التي يعلنها منذ المقدمة؛ إذْ أنّ النصوص الشعرية الحداثية تتمثل عنده في تجربة مجلة «شعر»، على وجه شبه حصري؛ والمعادل الفكري لتلك النصوص يتمحور حول فكر أنطون سعادة و«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، بصفة غالبة هنا أيضاً، وإنْ كان يمرّ لماماً على مؤثرات الفلسفة الليبرالية، والحرب الباردة، ومؤتمر روما الشهير لسنة 1961. هذه، مع ذلك، مسائل ذات طابع آخر جدير بمناقشة أعمق وأوسع، ليس هنا مقامها المناسب.
يهمني، في هذه السطور، التوقف عند الخاتمة التي يكرسها المؤلف لمناقشة الفارق بين قصيدة أدونيس الشهيرة «تحية لثورة إيران»، التي نشرتها صحيفة «السفير» اللبنانية في عدد 12/2/1070؛ وسلسلة المقالات التي نشرها، والمواقف التي أعلن عنها، بصدد الانتفاضة السورية. يلاحظ كريسويل (وكيف له ألا يفعل!) أنّ أدونيس لم يكتب قصيدة هذه المرّة، ولم يؤيد الحراك الشعبي (على غرار موقفه من انتفاضة تونس، مثلاً)؛ بل كتب صراحة (في أواخر أيار/ مايو 2011، حين كان أكثر من 1000 قتيل مدني قد سقطوا برصاص أجهزة النظام) أنه لا يتفق مع مظاهرات تخرج من المساجد. ويقرّ كريسويل، بالطبع، أنّ «الكثيرين من ناقدي أدونيس وجدوا ازدواجية في استجابتَيه. لماذا ساند الثورة الإيرانية، التي أقرّ أدونيس تماماً بطابعها الديني بل شدد عليه، بينما نأى بنفسه عن المحتجين السوريين (الذين لم يخرجوا من المساجد إلا لأنها في عداد الأمكنة القليلة التي لا يسيطر عليها النظام)؟».
بعد هذه الملاحظة، الجديرة بباحث وأكاديمي ينتظر الرصانة من قارئه، ويتوجب أن يلتمسها في نفسه أوّلاً؛ ينتقل كريسويل إلى ستراتيجية عليا تحكم هذه الخاتمة، ومعظم مقاربات الكتاب في الواقع: تهذيب أدونيس، وتشذيب تناقضاته، وتجميلها؛ ضمن سُبُل عديدة، أكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاثة منها. الأوّل هو اقتراح أرضية فلسفية لمواقف أدونيس من الثورة الإسلامية في إيران، تبدأ من عقد مقارنة (بائسة حقاً، وركيكة) مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو؛ وتمرّ، استطراداً، من تراجع أدونيس عن عصمائه «تحية لثورة إيران»، واعتبارها مجرّد شهادة، وليست قصيدة. وضمن هذا السبيل، يتناسى كريسويل رسالة أدونيس الرجيمة إلى بشار الأسد، ومخاطبته كـ«رئيس منتخَب»، ومناشدته أن يتدخل لإنقاذ البلد، وكأنّ هذا الذي كشّر عن أنياب مجرم الحرب هو المخلّص الأوّل!
سبيل ثانٍ هو تنزيه أدونيس عن أي علاقة عضوية مع النظام السوري، رغم أنّ صداقة الأخير مع رجالات السلطة، من ضباط جيش وأجهزة أمنية (علي حيدر، محمد ناصيف، سليمان حداد…) كانت تتجاوز بكثير صلة شاعر شهير بنظام حاكم في بلده.
وكريسويل، الذي لا تنقصه أدوات البحث والتنقيب، ولا تعزّ عليه المصادر في أبسط أنساقها وأوضح مرجعياتها؛ كان، لا ريب، غير عاجز عن بلوغ معلومة مثل برقية التعزية التي أرسلها أدونيس في مناسبة وفاة حافظ الأسد (وهذا سلوك إنساني محض، قد يقول قائل)؛ أو برقية التهنئة التي بعث بها إلى بشار الأسد بعد مهزلة توريثه (وهذه أبعد ما تكون عن الحسّ الإنساني).
سبيل ثالث، لعله الفاضح أكثر إذْ يأتي من أستاذ في ييل، أنّ كريسويل يتعامى نهائياً (ولستُ أختار هذا الفعل جزافاً!) عن كتاب أدونيس وخالدة سعيد «الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»؛ الذي صدر في بيروت سنة 1983، عن دار العلم للملايين، ضمن سلسلة بعنوان «ديوان النهضة» ضمّ مختارات من معروف الرصافي وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا وجميل صدقي الزهاوي. أليست جديرة بالتعليق، فما بالك بالمناقشة، هذه الواقعة التي لا تمسّ شخصية أدونيس («العلماني»، كما يواظب كريسويل على وصفه)، فحسب؛ بل تتوسع أكثر لتشمل معنى أن يُلقي أدونيس على الإمام عباءةَ النهضة والتنوير، وفي بيروت ذاتها التي يساجل المؤلف بأنها كانت حاضنة الحداثة الأولى؟
أم أنّ تحديث بيروت يعــــني تهذيـــب أدونيس، بالضرورة والقطع؛ تحت طائلة «إساءة فهم طراز الثورة وطراز الحداثة اللذين كتب عنهما طيلة نصف قرن»، كما يختم كريسويل!

اترك رد